حميد مجيد هدو

49

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج)

السائد في دراسة العلوم الأساسيّه ( الكيمياء والفيزياء . . . إلخ ) والإنسانيّة ( التاريخ والدِّين . . . إلخ ) منذ أن انتشر المذهب العلمي في العصر الحديث . والدراسة الموضوعيّة هي تلك التي ترتكز على الوصف ، والتحليل ، والتجربة ، والاستقراء ، والمقارنة ، ثمّ محاولة الوصول إلى القضايا الكلّية والقوانين العامّة . وإذا أنصتنا إلى حديث السيّد الحيدري في أمور تتطلّب منه أن يكون موضوعيّاً في طرحه ، فإنّنا نلمس وبوضوح كلّ هذه العناصر في حديثه . فهو يصف ظاهرة دينيّة معيّنة يلتمسها في آية قرآنيّة كريمة فيبدأ بتحليلها ويضرب عليها أمثلة تقوم مقام التجربة ، ثمّ يستقرئ ما يصل إليه من نتائج ليقارنها بما يقيم عليها الدليل من الحجج والقرائن التي غالباً ما تكون من القرآن الكريم . وإذا اطّلعنا على نظريّة « دوركايم » في كتابه « قواعد المنهج » الذي يؤكّد فيه ضرورة دراسة أيّة ظاهرة من ظواهر المجتمع ومنها العقائد الدينيّة دراسة موضوعيّة واعتبار هذه الظواهر أشياء خارجيّة ، لها موضوعيّتها وشيئيّتها ، بمعنى أنّها موجودة في المجتمع خارج شعور الفرد ، وسابقة في الوجود على وجود الفرد ، ويسوق ( الباحث ) ما ينهض دليلًا على أنّ هذه الظاهرة منفصلة عن التصوّرات الفرديّة ( أي عن صور انعكاسها في مشاعر الأفراد وفي أعمالهم ) . . . أقول : لو اطّلعنا على هذه النظريّة أدركنا تماماً مدى موضوعيّة السيّد الحيدري حين يتحدّث عن أيّة ظاهرة دينيّة على أنّها موجودة في حدّ ذاتها ولكنّها غائبة عن الإدراك الفطري للإنسان الذي لم يصل إلى ما وصل إليه السيّد الحيدري من العلم بها والإحاطة بحقائقها . والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى ، وربما ضربنا لبعضها أمثلة في حديثنا عن أسلوبه الخطابي .